تُناط بهذه المجموعات مهام تنظيم وتنسيق العرض الصحي داخل المجال الترابي، والعمل على ضمان الاستمرارية والجودة، في إطار استقلال مالي يمكنها من تنفيذ استراتيجيات صحية ناجعة وملائمة للخصوصيات المحلية.
وتكمن أهميتها كمؤسسة للحكامة في قدرتها على تدبير الموارد بفعالية، وإشراك مختلف الفاعلين، بما يعكس مبادئ الشفافية والنجاعة، والمساءلة في تدبير الشأن الصحي العمومي.
وقال رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، إن المجموعات الصحية الترابية ليست مجرد مؤسسة جديدة تُضاف إلى المؤسسات القائمة، بل هي آلية لإعادة ترتيب المسؤوليات، وتوحيد القرار الصحي داخل الجهة، وربط التخطيط بالميزانية، وربط الموارد بالحاجيات، وربط الأداء بالمحاسبة والنتائج، مشيرا إلى أن المجموعات الصحية الترابية تشكل آلية لتوحيد القرار الصحي داخل الجهة.
وأضاف ، في كلمة خلال ترأسه أول مجلس إدارة للمجموعة الصحية الترابية بجهة سوس-ماسة، أن هذا اللقاء يشكل لحظة مؤسساتية ذات دلالة وطنية قوية، لأنها لا تهم فقط انطلاق مجموعة صحية ترابية جديدة، بل تؤكد أن إصلاح المنظومة الصحية الوطنية دخل مرحلة التنفيذ الجهوي الفعلي، منتقلا بالإصلاح من مرحلة التصور إلى الميدان، ومن النصوص إلى الخدمة، ومن الهياكل إلى الأثر الملموس على حياة المواطن.
وشدد على أن هذا الورش يندرج في قلب الرؤية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي جعل صحة المواطن وكرامته وأمنه الاجتماعي في صلب بناء الدولة الاجتماعية، معتبرا أن “الصحة ليست قطاعا عاديا من قطاعات التدبير العمومي، بل هي معيار حقيقي لثقة المواطن في الدولة، ولقدرة السياسات العمومية على حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان حقه في العلاج”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء المغربية.
وأكد أخنوش أنه إذا كانت التغطية الصحية تشكل مدخلا فعليا إلى علاج قريب، و منظم و منصف وذي جودة، فإنها، مهما اتسعت، لا تكتمل إلا عندما يجد المواطن أمامه منظومة قادرة على استقباله وتوجيهه وعلاجه ومواكبته في الوقت المناسب.
وأشار إلى أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، اختارت أن تنتقل من منطق تدبير قطاع صحي إلى منطق بناء منظومة صحية وطنية متكاملة، مسجلا أن الأمر يتعلق ب تحول عميق في طريقة تفكير الدولة في الصحة: من التدبير المركزي المتفرق، إلى الحكامة الجهوية المندمجة؛ من تراكم البنيات، إلى تنظيم المسارات؛ ومن صرف الاعتمادات، إلى قياس الأثر والنتائج.
وبحسب أخنوش، تكتسي جهة سوس-ماسة أهمية خاصة في هذا المسار الوطني لكونها تجمع بين دينامية حضرية واقتصادية قوية، ومجالات قروية وجبلية، وأقاليم ذات حاجيات مختلفة، وتحديات متباينة في الولوج إلى الخدمات الصحية، مبرزا أن هذا التنوع يجعل منها مجالا حقيقيا لاختبار قدرة الإصلاح على التكيف مع الخصوصيات الترابية، وعلى تقديم أجوبة عملية لمطالب القرب والإنصاف والجودة.
وسجل أن التحدي في جهة سوس-ماسة ليس فقط توسيع العرض الصحي، بل إعادة تنظيمه بشكل أكثر عدلا ونجاعة.
وأضاف أن الجهة، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات وبنيات صحية مهمة، تواجه تحديات حقيقية مرتبطة بتوزيع الموارد الطبية وتفاوت الولوج بين المجالات الحضرية والأقاليم البعيدة، معتبرا أن نجاح المجموعة الصحية الترابية لسوس-ماسة يجب أن يقاس بقدرتها على تصحيح هذه الاختلالات، وإعادة توجيه المنظومة نحو مزيد من القرب والنجاعة والإنصاف.
وشدد على أن المطلوب اليوم ليس فقط أن تشتغل المؤسسات الصحية كل واحدة داخل حدودها، بل أن تشتغل الجهة كمنظومة واحدة، قادرة على توجيه المواطن، وتنظيم التكفل به وتحسين استعمال الموارد وتجاوز منطق التشتت الذي عانت منه المنظومة الصحية لسنوات.
وخلص أخنوش إلى إن مجلس الإدارة مطالب بأن يعطي الانطلاقة لمنطق جديد في تدبير الصحة بجهة سوس-ماسة ويجعل من الجهة وحدة فعلية للتخطيط والتنفيذ والتقييم و من المؤسسة الصحية جزءا من مسار متكامل؛ و من الميزانية أداة للإنصاف، لا مجرد إطار محاسباتي.
ويأتي إطلاق هذه المجموعة الصحية الترابية بعد انطلاق المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ثم المجموعة الصحية الترابية بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، بما يعكس الدينامية المتواصلة التي تقودها الحكومة لإرساء نموذج جديد للحكامة الصحية الجهوية، يقوم على الاستقلالية التدبيرية والنجاعة في الأداء والتكامل بين مستويات الرعاية وربط القرار الصحي بالخصوصيات الترابية والحاجيات الفعلية للساكنة.
وكانت الحكومة الغربية قد أطلقت مشروع المجموعات الصحية الترابية بهدف إحداث إصلاح جذري وشامل في المنظومة الصحية الوطنية. وذلك تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية للملك محمد السادس، وتفعيلا لورش تعميم الحماية الاجتماعية.
وتعد جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أول منطقة نموذجية لتطبيق هذا المشروع، حيث يعكس هذا النموذج الجديد الرؤية الحكومية لإعادة تنظيم العرض الصحي على المستوى الجهوي، من خلال دمج مختلف مستويات الرعاية الصحية ضمن مؤسسة واحدة، بدءا من مراكز الرعاية الأولية وصولا إلى المستشفيات الجامعية، بهدف تحقيق التكامل بين الخدمات الصحية وتعزيز جودتها.
ويتيح هذا النموذج تحسين العرض الصحي وتجويد الخدمات، واستغلال الموارد المتاحة بشكل أفضل، مع دمج المراكز الصحية من المستوى الأول ضمن هيكل موحد يضمن تدبيرا منسجما لمسار العلاج على مستوى الجهة بكاملها والحد من التفاوتات الجهوية في الخدمات الصحية.

